مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

رؤى فلسفية

الخطر ليس في الروبوت... بل في الإنسان

 

في كل مرة يحقق فيها الذكاء الاصطناعي قفزة جديدة، ينشغل العالم بالسؤال الخطأ. يسأل الناس: هل سيصبح الروبوت أذكى من الإنسان؟ وهل سيستولي على الوظائف؟ وهل سيحكم العالم يومًا؟ لكن، يا صديقي، هذه الأسئلة ليست سوى ظلالٍ لسؤال أكبر وأخطر: ماذا سيحدث للإنسان إذا اعتاد أن يترك ضميره يفكر بالنيابة عنه؟
إن الخوف الحقيقي من الروبوت لا يبدأ حين يتحرك أو يتكلم أو يكتب، بل يبدأ عندما يصبح قادرًا على اتخاذ قرار يمس حياة البشر. هنا لا نتحدث عن قطعةٍ من المعدن، ولا عن برنامجٍ متطور، وإنما عن محاولة غير مسبوقة لإعادة تعريف الأخلاق نفسها. فهل يمكن أن تُختزل الرحمة في معادلة؟ وهل يُمكن أن تتحول العدالة إلى خوارزمية؟ وهل يصبح الضمير مجرد كودٍ برمجي يُكتب ثم يُنسخ ثم يُحدَّث؟
يا عزيزي، منذ آلاف السنين لم يتفق الفلاسفة على تعريفٍ واحد للخير أو للعدالة أو للواجب. فمنذ سقراط وأفلاطون وأرسطو، مرورًا بكانط وهيجل، وصولًا إلى سارتر وهايدغر، ظل السؤال الأخلاقي مفتوحًا بلا إجابة نهائية. فإذا كان الإنسان نفسه لم يحسم معنى الخير، فكيف نطلب من آلة أن تحسمه نيابةً عنه؟
الروبوت لا يشعر بالندم، ولا يعرف الحيرة، ولا يستيقظ ليلًا لأنه يؤنبه ضميره. إنه لا يعرف معنى أن يُخطئ ثم يبكي، أو أن يسامح لأنه تذوق مرارة الألم. إنه يحسب، ويقارن، ويستنتج، ثم ينفذ. وبين «الحساب» و«الضمير» مسافة لا تستطيع التكنولوجيا، مهما بلغت، أن تعبرها.
المشكلة ليست في أن الآلة ستصبح أكثر ذكاءً، بل في أن الإنسان قد يعتاد الكسل الأخلاقي. فكلما سلّم قراراته للخوارزميات، تراجعت قدرته على التفكير بنفسه. ومع الوقت، قد يتحول الضمير إلى وظيفةٍ تؤديها البرامج، بينما يكتفي الإنسان بالضغط على زر «موافق». عندها لن يكون الروبوت هو الذي سرق أخلاقنا، بل نحن من تنازلنا عنها طواعية.
ولعل أخطر ما يواجه الذكاء الاصطناعي اليوم ليس الذكاء نفسه، بل ما يُعرف بـ«التحيز الخوارزمي». فالآلة لا تبتكر قيمها من فراغ، وإنما تتعلم من البيانات التي يقدمها الإنسان. وإذا كانت هذه البيانات مليئة بالتمييز أو الظلم أو العنصرية أو الصور النمطية، فإن الروبوت لن يصححها، بل سيعيد إنتاجها بسرعة أكبر، ودقة أعلى، وبثقة تبدو علمية. وهنا تكمن المفارقة؛ فالخطأ البشري يمكن مناقشته، أما الخطأ الذي تنطقه الآلة، فكثيرون يتعاملون معه وكأنه حقيقة لا تقبل الجدل.
ولهذا لا ينبغي أن نخدع أنفسنا حين نتحدث عن «أخلاق الروبوت». فالروبوت لا يملك أخلاقًا أصلًا، بل يملك تعليمات. والأخلاق ليست مجموعة أوامر تُنفذ، وإنما تجربة يعيشها الإنسان بكل تناقضاته وضعفه وخوفه ورجائه. إنها لحظة يتصارع فيها العقل مع القلب، والواجب مع الرغبة، والمصلحة مع الضمير. وهذه المعركة الداخلية لا تعرفها الآلات، لأنها لم تعش يومًا معنى الحرية، ولم تختبر ثقل المسؤولية.
يا صديقي، تخيل طبيبًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي ليقرر مَن يستحق العلاج أولًا، أو قاضيًا يترك للخوارزمية تحديد العقوبة، أو قائدًا عسكريًا يسمح لبرنامجٍ إلكتروني باختيار الهدف الذي يجب قصفه. قد تبدو هذه السيناريوهات بعيدة، لكنها لم تعد من نسج الخيال. ففي كثير من دول العالم، بدأت الخوارزميات بالفعل تتدخل في قرارات تتعلق بالصحة والعدالة والأمن والاقتصاد. والسؤال هنا ليس: هل تستطيع الآلة اتخاذ القرار؟ بل: من يتحمل مسؤوليته إذا كان القرار ظالمًا؟
الفلسفة لا تعادي التكنولوجيا، ولم تكن يومًا خصمًا للعلم. لكنها ترفض أن يتحول الإنسان إلى كائنٍ يستعير ضميره من شاشة. فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بعدد المعالجات الإلكترونية، ولا بسرعة الخوارزميات، وإنما بقدرتنا على حماية الإنسان من نفسه، قبل أن نحميه من الآلة.
ولهذا، فإن المستقبل لا يحتاج إلى مهندسين فقط، بل إلى فلاسفة أيضًا. يحتاج إلى علماء يعرفون كيف يصنعون الذكاء الاصطناعي، وإلى مفكرين يعرفون أين يجب أن يتوقف. فليس كل ما يمكن للآلة أن تفعله، ينبغي لها أن تفعله. هناك حدود لا ترسمها التكنولوجيا، بل ترسمها الكرامة الإنسانية.
ويبقى السؤال الذي سيطاردنا في السنوات القادمة أكثر من أي سؤال آخر: هل سننجح في تعليم الروبوت معنى الأخلاق... أم أننا، ونحن نفعل ذلك، سننسى نحن معنى أن نكون بشرًا؟
بقلم/ محمد جادالله
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
[email protected]